منذ لحظة دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي لحياتنا يراودنا سؤال: “هل الذكاء الاصطناعي قادر على القيام بعملي؟”. وفقًا للمعطيات الحالية، من الصعب الحصول على إجابة واضحة، لكن قد نحصل على إجابة دقيقة في حال أعدنا صياغة السؤال: “أي جزء من مجال عملك يمكن أن يقوم به الذكاء الاصطناعي؟”.
ويبدو أنّ آخر دراسة قام بها الفريق البحثي التابع لشركة مايكروسوفت Microsoft Research قد تجيب عن السؤال السابق. الباحثون في دراسة مايكروسوفت نظروا إلى ما يفعله الناس فعلًا مع مساعد ذكاء اصطناعي نصّي مثل Microsoft Bing Copilot (Copilot)، ثم حاولوا قياس قابلية المهن لأن تُنجز بعض مهامها بهذا النوع من الأدوات. فما الذي توصلوا إليه؟ وما هي المهن التي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام بمهامها؟
كيف قاست دراسة مايكروسوفت قابلية الذكاء الاصطناعي لإتمام مهام مهن محددة؟
انضموا إلى قناة موندو Mundo على التيليجرام Telegram
الدراسة حلّلت 200 ألف محادثة مجهّلة ومُنقّحة من البيانات الحسّاسة بين المستخدمين وBing Copilot. هذه المحادثات كانت خلال عام 2024 (حتى نهاية سبتمبر). ثم صنّفت ما يحدث في كل محادثة بطريقتين مهمتين:
- هدف المستخدم (User goal): ما الذي يحاول الشخص إنجازه بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟
- فعل الذكاء الاصطناعي (AI action): ما الذي قدّمه Copilot فعليًا داخل المحادثة؟
بعد ذلك، ربط الباحثون هذه الأنشطة بما يُعرف بتصنيفات O*NET (قاعدة بيانات تصف أنشطة العمل عبر المهن)، وقيّموا مدى انتشار النشاط، وهل اكتمل بنجاح، وهل كان أثره صغيرًا أو كبيرًا. ثم خرجوا بنتيجة اسمها AI applicability score (درجة قابلية الذكاء الاصطناعي لإتمام مهام المهنة).
اقرأ: لتنظيف الصوت في تسجيلات وفيديوهاتك… ميتا تُطلق SAM Audio لعزل الصوت بالذكاء الاصطناعي
ما هي المهن الأكثر تأثرًا باستخدامات الذكاء الاصطناعي؟
قام الباحثون بإنشاء جدولين، جدول يتضمن أكثر 40 مهنة تتأثر مهامها بالذكاء الاصطناعي، وقائمة 40 مهنة أقل قابلية للتأثر بالذكاء الاصطناعي. هم لا يعرفون مهنة كل مستخدم، لكن عندما يرون أن Copilot يُستخدم كثيرًا وبنجاح في نشاط معيّن (مثل: كتابة نص، تلخيص، شرح، إعداد مواد…)، يمكنهم القول إن هذا النوع من النشاط موجود داخل مهن معينة أكثر من غيرها.
عند النظر إلى جدول أكثر 40 مهنة تتأثر مهامها بالذكاء الاصطناعي في الدراسة، سنلاحظ نمطًا واضحًا: المهن الأعلى ليست تقنية فقط، بل هي مهن تعتمد يوميًا على المعلومات واللغة والشرح والكتابة والتواصل، وهي أشياء يبرع فيها مساعد نصّي.
أكثر المهن تأثرًا باستخدامات الذكاء الاصطناعي والتي يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي القيام بالعديد من مهامها (سنذكر أكثر 15 مهنة تتصدر القائمة) :
- المترجمون الفوريون والمترجمون (Interpreters and Translators)
- المؤرخون (Historians)
- الكتّاب والمؤلفون (Writers and Authors)
- مندوبو مبيعات الخدمات (Sales Representatives of Services)
- مبرمجو أدوات التحكم الرقمي CNC (Computer Numerically Controlled Tool Programmers)
- مذيعو البث ومنسّقو الأغاني بالراديو (Broadcast Announcers and Radio Disc Jockeys)
- ممثلو خدمة العملاء (Customer Service Representatives)
- مسوّقو الهاتف (Telemarketers)
- علماء السياسة (Political Scientists)
- علماء الرياضيات (Mathematicians)
- محللو الأخبار والمراسلون والصحفيون (News Analysts, Reporters, and Journalists)
- مضيفو الركاب/الطيران (Passenger Attendants)
- الكتّاب التقنيون (Technical Writers)
- الكونسيرج/خدمات الضيافة (Concierges)
- المدققون اللغويون وواضعو علامات النسخ (Proofreaders and Copy Markers)
لماذا هذه المهن تحديدًا هي الأكثر تأثرًا؟ لأن كثيرًا من العمل المرتبط بهذه المهن يُترجم إلى أسئلة من نوع: “اكتب، لخص، قارن، اقترح، صِغ، اشرح، حضّر ردًا، حضّر عرضًا، استخرج نقاطًا،”، وهي أعمال معلوماتية يمكن للذكاء الاصطناعي دعمها بسرعة، مع بقاء القرار النهائي والمسؤولية على المستخدم.
انظر: لمزيد من الخصوصية والأمان… كيف تزيل بياناتك الشخصية من محرك البحث جوجل بسهولة؟
ما هي المهن الأقل تأثرًا باستخدامات الذكاء الاصطناعي؟
يبدو أنّ الأعمال اليدوية تشكل غالبية المهن الأقل تأثرًا باستخدامات الذكاء الاصطناعي، ليس لأن الذكاء الاصطناعي لا يفيدها أبدًا، بل لأن طبيعة المهام هنا تعتمد على الجسد، المعدات، الموقع، السلامة، والواقع الفعلي أكثر من اعتمادها على كتابة أو تحليل نصّي.
أقل المهن تأثرًا باستخدامات الذكاء الاصطناعي (سنذكر أقل 15 مهنة تتذيل القائمة):
- مشرفو الإطفاء والوقاية من الحرائق (First-Line Supervisors of Firefighting and Prevention Workers)
- عمّال الحقول (Roustabouts, Oil and Gas)
- عاملات/عمّال التدبير المنزلي (Maids and Housekeeping Cleaners)
- فنيو طب العيون (Ophthalmic Medical Technicians)
- مشغلو معدات الرصف/الدمك (Paving, Surfacing, and Tamping Equipment Operators)
- مشغلو معدات قطع الأخشاب (Logging Equipment Operators)
- مشغلو القوارب (Motorboat Operators)
- المرافقون/المساعدون داخل المنشآت الطبية (Orderlies)
- صقل وتشطيب الأرضيات (Floor Sanders and Finishers)
- مشغلو دقّ الركائز (Pile Driver Operators)
- مشغلو معدات صيانة السكك (Rail-Track Laying and Maintenance Equipment Operators)
- صانعو قوالب المسابك (Foundry Mold and Coremakers)
- مشغلو محطات معالجة المياه والصرف (Water and Wastewater Treatment Plant and System Operators)
- عمّال الجسور والأهوسة (Bridge and Lock Tenders)
- مشغلو الكراكات (Dredge Operators)
الجامع بينها المهن في القائمة السابقة، حتى لو ساعدك Copilot في شرح إجراء أو إعداد قائمة تحقق، فهو لا يستطيع تنفيذ الجزء الحساس من العمل داخل موقع أو ورشة أو غرفة عمليات.
هذا لا يعني أنّ الذكاء الاصطناعي غير مفيد لهذه المهن،. الدراسة نفسها تذكر أنّ هذه المهن أقل تمثيلًا في نوع المهام التي يؤديها الناس بنجاح مع مساعد نصّي مثل Copilot.
لكن حتى في المهن الميدانية، الذكاء الاصطناعي قد يكون مفيدًا في أشياء مثل: التدريب، تبسيط إجراءات السلامة، تفسير أدلة التشغيل، تجهيز نماذج التقارير، التخطيط للجداول. فقط لا تتوقع منه أن يحل مكان “اليد والخبرة والقرار اللحظي” في أرض الواقع.
لقائمة المهن الكاملة تفقدوا الدراسة التي نشرتها مايكروسوفت من هنا: arxiv.org.
اقرأ: عنوانك على “جيميل” لا يناسبك؟ جوجل ستسمح لك بتغييره دون إنشاء حساب جديد
ما تأثير هذه النتائج علينا؟
إذا كنت تعمل في مهنة ضمن قائمة المهن الأكثر تأثرًا باستخدامات الذكاء الاصطناعي، فالفكرة ليست بالخوف من أنّ يقوم الذكاء الاصطناعي باستبدالك، بل أن تتعلم أنت كيف تستفاد منه. امتلاكك لمهارة استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحليل والتواصل قد يصبح مثل امتلاكك لمهارة Excel قبل سنوات. شيء يرفع كفاءتك ويختصر وقتك، لكن لا يعفيك من التفكير والتحقق.
وإذا كنت في مهنة ضمن قائمة المهن الأقل تأثرًا باستخدامات الذكاء الاصطناعي، فهذا لا يعني أنك خارج الصورة. يعني فقط أن الذكاء الاصطناعي عندك سيكون غالبًا مساعدًا خلف الكواليس: يشرح، ينظم، يذكّر، يكتب، يختصر، بينما يبقى جوهر التنفيذ إنسانيًا وميدانيًا.
تستنتج دراسة مايكروسوفت الجديدة بأنّ الذكاء الاصطناعي اليوم قوي جدًا في أعمال المعلومات من ترجمة، كتابة، تحرير، تواصل، دعم عملاء، تحليل..الخ، وأضعف نسبيًا في الأعمال التي تعتمد على التواجد الجسدي والتشغيل الميداني. لكنها في الحالتين تتحدث عن إتمام المهام داخل الوظيفة، لا اختفاء الوظيفة نفسها.
لكن وجب التنويه إلى أنّ النتائج مرتبطة بنوع واحد من الأدوات (مساعد نصّي مثل Copilot). أي أنها لا تمثل كل أشكال الذكاء الاصطناعي، ولا تعني أن المهن الميدانية لن تستفيد من أدوات أخرى (مثل الرؤية الحاسوبية أو الروبوتات).
