1 من كل 3 مهاجرين من الاتحاد الأوروبي يفكر في ترك ألمانيا وفقًا لدراسة جديدة

1 من كل 3 مهاجرين من الاتحاد الأوروبي يفكر في ترك ألمانيا وفقًا لدراسة جديدة

ألمانيا تواجه تحديًا جديدًا مع تفكير ثلث المهاجرين الأوروبيين في مغادرة البلاد.

ألمانيا واحدة من أكثر الدول الأوروبية جذبًا للباحثين عن عمل وحياة مستقرة داخل الاتحاد الأوروبي. رواتب أعلى، سوق عمل واسع، نظام قانوني واضح، وفرص أفضل للعائلات والأطفال. لكن دراسة حديثة أظهرت أن ألمانيا لم تعد كما كانت من قبل.

بحسب دراسة من مفوضة الحكومة الألمانية للهجرة والاندماج ومكافحة العنصرية، يفكر نحو 35% من مواطني الاتحاد الأوروبي المقيمين في ألمانيا في مغادرة البلاد، بينما قال 13% إنهم بدأوا بالفعل اتخاذ خطوات ملموسة نحو الرحيل. وهذا يعني، ببساطة، أن واحدًا تقريبًا من كل ثلاثة مهاجرين أوروبيين في ألمانيا لم يعد متأكدًا من رغبته في البقاء.

انضموا إلى قناة موندو Mundo على التيليجرام Telegram

فرغم أنّ ألمانيا لا تعاني من فائض في العمالة،  بل وتحتاج إلى عمال وموظفين في قطاعات كثيرة، إلّا أنّ التركيز يجب أن يتحول من جذب مهاجرين جدد إلى إقناع المهاجرين الموجودين فعلًا في البقاء.

من المقصود بالمهاجرين الأوروبيين في هذا الخبر؟

المقصود بالمهاجرين الأوروبيين في هذه الدراسة الجديدة، مواطنو دول الاتحاد الأوروبي الذين انتقلوا إلى ألمانيا للعمل أو الدراسة أو العيش مع العائلة. هؤلاء لديهم حق حرية التنقل والعمل داخل الاتحاد الأوروبي، أي لا يحتاجون عادة إلى فيزا عمل مثل القادمين من خارج الاتحاد.

في نهاية عام 2023، كان يعيش في ألمانيا حوالي 5.1 مليون مواطن من دول الاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل 37% من الأجانب المقيمين في البلاد. حيث يشكل العمال الأوروبيون جزءًا كبيرًا من سوق العمل الألماني. كثيرون يعملون في النقل، التنظيف، البناء، الرعاية، المطاعم، المصانع، والخدمات اليومية التي يعتمد عليها الاقتصاد بشكل مباشر.

ما الذي تغير في ألمانيا؟

الدراسة تشير إلى أن صافي الهجرة من دول الاتحاد الأوروبي إلى ألمانيا تراجع بقوة. ففي عام 2024، بلغ صافي الهجرة من مواطني الاتحاد الأوروبي إلى ألمانيا 38,735 شخصًا فقط، مقارنة بنحو 117 ألفًا في عام 2023، أي تراجع بنسبة 66.8%.

وبحسب The Local وDie Zeit، سجّلت ألمانيا منذ 2024 حالة غير معتادة: عدد المغادرين من مواطني الاتحاد الأوروبي أصبح أكبر من عدد القادمين، مع صافي هجرة سلبي يقدّر بنحو 34 ألف شخص. وهذه أول مرة يحدث فيها هذا التحول منذ حوالي 15 عامًا.

انظر: ألمانيا تُلغي قانون التجنيس السريع… ما تأثيره على المهاجرين والتقديم على الجنسية الألمانية؟

لماذا يفكر الأوروبيون بمغادرة ألمانيا؟

في البداية، قد يصل الشخص إلى ألمانيا متحمسًا لبدء حياة جديدة. عقد عمل، راتب أفضل من بلده، مدارس جيدة للأطفال، ونظام صحي قوي. لكن بعد أشهر أو سنوات، تبدأ تفاصيل الحياة اليومية بالظهور: إيجار مرتفع، أوراق كثيرة، لغة صعبة، شعور بالوحدة، وربما وظيفة لا تناسب مؤهلاته.

أبرز أسباب مغادرة الأوروبيين التي ذكرتها الدراسة هي ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة في ألمانيا، ضعف الشعور بالانتماء، وتجارب التمييز. ووفقًا لما نقلته The Local، قال 42% من المشاركين في الدراسة إن تكاليف السكن من أهم أسباب التفكير في المغادرة، بينما أشار 36% إلى ارتفاع تكاليف المعيشة عمومًا.

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة بسيطة: الهجرة لا تُقاس بالراتب وحده. قد يحصل الشخص على دخل أعلى من بلده الأصلي، لكنه يدفع إيجارًا كبيرًا، وتأمينات، مواصلات، ضرائب، وحضانة أطفال أو مصاريف يومية أعلى مما توقع. في النهاية، قد يشعر أن “الفارق الحقيقي” لا يستحق الغربة والضغط.

1. السكن وتكاليف الحياة: المشكلة اليومية الأكبر للمهاجرين الأوروبيين

السكن في ألمانيا أصبح تحديًا حقيقيًا، خاصة في المدن الكبرى مثل برلين، ميونخ، هامبورغ، فرانكفورت وكولونيا. العثور على شقة مناسبة قد يحتاج أشهرًا، والملف المطلوب من المستأجر قد يكون معقدًا للمقيم الجديد: إثبات دخل، سجل ائتماني، عقود عمل، وربما منافسة مع عشرات المتقدمين على نفس الشقة.

لذلك، ليس غريبًا أن يظهر السكن كأحد أكبر أسباب التفكير في الرحيل. عندما يشعر الشخص أنه يعمل كثيرًا لكنه لا يستطيع تأمين منزل مريح أو مستقر، تبدأ فكرة الانتقال إلى بلد آخر أو العودة إلى بلده بالظهور بشكل طبيعي.

وبالنسبة للعائلات، يصبح الضغط أكبر. فالعائلة لا تبحث فقط عن غرفة أو شقة صغيرة، بل عن مدرسة، حي آمن، حضانة، ومواصلات مناسبة. كل هذا يجعل التجربة مختلفة تمامًا عن صورة “ألمانيا بلد الفرص” التي يسمعها كثيرون قبل السفر.

اقرأ: صدمة لعشرات آلاف اللاجئين في ألمانيا بعد تعليق لمّ شمل العائلة

2. التمييز والشعور بعدم الانتماء

المال ليس السبب الوحيد لمغادرة الأوربيين لألمانيا. الدراسة أظهرت أن عددًا كبيرًا من مواطني الاتحاد الأوروبي لا يشعرون بالراحة أو الانتماء في ألمانيا. نحو 39% قالوا إنهم لا يشعرون بالاندماج الكامل أو الراحة داخل المجتمع الألماني، بينما أشار آخرون إلى تجارب تمييز في العمل أو المؤسسات أو الحياة اليومية.

كما نقلت IamExpat أن 38.8% من المشاركين قالوا إنهم لا يشعرون بالترحيب، وأن 49.4% تحدثوا عن تجارب تمييز في العمل.

كثيرون يعتقدون أن المواطن الأوروبي داخل ألمانيا سيكون التعامل معه أسهل من المهاجر القادم من خارج أوروبا. قانونيًا، نعم، لديه حقوق تنقل وعمل أوسع. لكن اجتماعيًا ومهنيًا، قد يواجه صعوبات حقيقية، خصوصًا إذا كان من دول أوروبا الشرقية أو الجنوبية، أو من مجتمعات تتعرض للصور النمطية مثل بعض القادمين من رومانيا وبلغاريا وبعض الدول الأخرى.

3. العمل موجود… لكن ليس دائمًا بالشكل المتوقع

الكثيرون يأتون إلى ألمانيا بسبب العمل، ثم يفكرون في المغادرة بسبب تجربة العمل نفسها. المشكلة لا تكون دائمًا في عدم وجود وظيفة، بل في نوع الوظيفة، ظروفها، أو عدم القدرة على التقدم فيها.

بحسب Die Zeit، يعمل نحو 2.7 مليون مواطن من الاتحاد الأوروبي في ألمانيا، بينهم 1.7 مليون من دول شرق وجنوب شرق أوروبا. لكن كثيرين يبقون في وظائف منخفضة الأجر أو لا تحتاج إلى مؤهلات عالية، مثل التنظيف أو النقل، حتى لو كانوا يملكون خبرات أو شهادات من بلدهم.

وهنا تظهر مشكلة الاعتراف بالمؤهلات. شخص درس التمريض أو الهندسة أو التعليم في بلده، قد يجد نفسه في ألمانيا أمام إجراءات طويلة للاعتراف بشهادته، أو يحتاج إلى لغة بمستوى أعلى، أو تدريب إضافي. ومع الوقت، قد يشعر أنه عالق في وظيفة مؤقتة لا تشبه طموحه.

4. البيروقراطية واللغة الألمانية تجعل التجربة أصعب

لا يمكن الحديث عن الحياة في ألمانيا دون ذكر البيروقراطية. المواعيد، الأوراق، النماذج، المراسلات الرسمية، الضرائب، التأمين الصحي، التسجيل في البلدية، والاعتراف بالشهادات… كلها تفاصيل قد تكون مرهقة، خصوصًا لمن لا يتقن اللغة الألمانية جيدًا.

الدراسة أشارت إلى أن ضعف الدعم في العمل والحياة الاجتماعية واليومية يجعل الاستقرار أصعب، وقد يدفع بعض المهاجرين إلى الرحيل بدل البقاء والمحاولة من جديد. كما دعت نتائج الدراسة إلى تحسين الوصول إلى دورات اللغة، توفير معلومات متعددة اللغات، تقوية الاستشارات، ومكافحة التمييز بجدية أكبر.

في ألمانيا، اللغة ليست مجرد مهارة إضافية. اللغة قد تحدد نوع الوظيفة، سهولة التعامل مع المؤسسات، فرصة تكوين صداقات، وحتى القدرة على الدفاع عن الحقوق في مكان العمل.

انظر: ألمانيا تمنح أكثر من 200,000 شخص جنسيتها في عام واحد و38% منهم من دولة عربية

لماذا يمثل هذا الخبر مشكلة لألمانيا؟

لأن ألمانيا تحتاج إلى العمال، لا سيما مع شيخوخة السكان وتقاعد أعداد كبيرة من الموظفين. وفقًا لتقرير Euronews، تعاني ألمانيا من نقص واضح في قطاعات مثل الصحة والبناء والإدارة العامة، وقدّر معهد الاقتصاد الألماني IW أن أكثر من 260 ألف وظيفة في أكثر القطاعات معاناة من النقص لم يكن بالإمكان شغلها بعمال مؤهلين. وفي قطاع الصحة وحده، وصل النقص إلى نحو 46 ألف وظيفة.

بمعنى آخر، مغادرة العمال الأوروبيين ليست مجرد قرار شخصي لمجموعة من الأفراد. هي إشارة تحذير لسوق العمل الألماني. فإذا كانت ألمانيا لا تستطيع الاحتفاظ بأشخاص يملكون أصلًا حق العمل والإقامة داخل الاتحاد الأوروبي، فكيف ستنافس دولًا أخرى على جذب عمال من خارج أوروبا؟

ماذا يعني هذا للراغبين بالهجرة إلى ألمانيا؟

هذا الخبر لا يعني أن ألمانيا أصبحت خيارًا سيئًا للجميع. ما زالت بلدًا قويًا اقتصاديًا، وفيه فرص عمل وتعليم واستقرار قانوني. لكنه يعني أن قرار الهجرة يجب أن يكون واقعيًا، لا مبنيًا على صورة وردية.

قبل السفر، لا يكفي أن تسأل: “كم الراتب؟”. اسأل أيضًا: كم الإيجار في المدينة؟ هل شهادتي معترف بها؟ ما مستوى اللغة المطلوب؟ هل سأجد حضانة أو مدرسة؟ هل الوظيفة تفتح باب تطور مهني؟ وهل لدي شبكة دعم في ألمانيا؟

الدراسة تكشف مشكلة أعمق من مجرد “مهاجرين يريدون الرحيل”. هي تقول إن ألمانيا تجذب الناس، لكنها لا تنجح دائمًا في تحويلهم إلى مقيمين مستقرين يشعرون بأن لهم مستقبلًا طويلًا فيها.

بعض المصادر:

Euro News. ‘We can’t afford it’: EU workers leave Germany despite labour shortage

عن الكاتب